الشيخ محمد هادي معرفة
372
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
فلابدّ أنّ هذه الأرض خُلقت مثل السماوات السبع ، مثلًا في الإبداع والتكوين . هذا ، بالإضافة إلى أنّ التعبير ب - « وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ » - لو أريد العدد - ليستدعي أن يكون من هذه الأرض ( نفس كرة الأرض التي نعيش عليها ) جعلت سبعا ، الأمر الذي يعني سبع قطاع منها وهي المناطق الكبرى المعمورة منها . وهذا هو المراد بالأرضين السبع الواردة في الأدعية المأثورة وفي الأحاديث ، ودارت على ألسن العارفين . وإطلاق الأرض على المعمورة منها شائع في اللغة ، وجاء في القرآن أيضا حيث قوله تعالى - بشأن المفسدين - : « أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ » « 1 » أي من البلاد العامرة حسبما فسّره الفقهاء . وكذا إطلاقها على مطلق البقاع ، كقوله تعالى : « وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها » . « 2 » والمراد البقعة الميتة منها . وبعد ، فإنّ قوله تعالى : « اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ » ظاهرٌ كلّ الظهور في إرادة سماوات سبع ، وجاءت بلفظ تنكير . وأرضٍ واحدة جاءت بلفظ تعريف . وأنّ المثلية تعني جانب الإبداع والتكوين ، وعلى فرض إرادة العدد فهي البقاع والمناطق المعمورة منها ومن ثَمَّ جاء بلفظ « ومن الأرض . . . » أي وجعل من هذه الأرض أيضا سبعا حسب المناطق . وإلّا فلو كان أراد سبع كُرات من مثل كُرة الأرض ، لكان الأولى أن يعبّر بسبع سماوات وسبع أرضين ، وكان أخصر وأوفى بالمعنى . 8 - « وَجَدها تَغْرُب في عَينٍ حمِئة » يقول تعالى عن ذي القرنين : « حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ » . « 3 »
--> ( 1 ) - المائدة 33 : 5 . ( 2 ) - يس 33 : 36 . ( 3 ) - الكهف 86 : 18 .